السر اللي أمي خبّته عني خمسين سنة...

لمحة نيوز

أسابيع، صحتنا اتغيرت بشكل كبير.
أخت أمي كانت بتحتاج رعاية طبية، فبدأنا نرتب لها مواعيد الكشف والعلاج، ونحاول نخلي أيامها أهدى وأقل ألمًا.
أمي رجعت تاكل أحسن، وبدأت تستعيد جزء من نشاطها، لكنها ما بقتش نفس الست اللي كانت قبل الرحلة.
بقت أكثر هدوءًا، وأكثر استعدادًا للكلام عن الماضي.
وفي يوم، طلبت مني أجيب لها الكاميرا القديمة.
قعدنا سوا، وبدأنا نبص على الصور الأربع مرة تانية.
الصورة الأولى كانت للبيت القديم.
الصورة التانية كانت لأمي قاعدة جنب أختها.
الصورة التالتة كانت صورة لأخت أمي وهي واقفة قدام شباك البيت، ووراها كرسي فاضي.
أما الصورة الرابعة، فكانت الصورة اللي بدأت منها كل الحكاية.
أمي بصت لها طويلًا، وقالت
أنا كنت فاكرة إن الصورة دي هتفضل آخر ذكرى ليا عن اليوم اللي اتاخد مني فيه كل شيء.
سألتها
وإيه اللي اتغير؟
ابتسمت ابتسامة هادية.
اكتشفت إن اللي اتاخد مني زمان، ما رجعش زي ما كان. لكن لسه فيه فرصة نعمل ذكريات جديدة، بدل ما نفضل عايشين أسرى للذكريات القديمة.
وبعدين مدت إيدها ناحية الكاميرا وقالت
تعالي ناخد صورة جديدة.
حطيت الكاميرا على الترابيزة، وقعدت جنب أمي.
بعد لحظات، دخلت أختها، وقعدت الناحية التانية.
بقينا التلاتة جنب بعض.
ما كانتش صورة مثالية، ولا كانت فيها ابتسامات واسعة تخفي الۏجع.
كانت صورة حقيقية لثلاث ستات، كل واحدة فيهم شايلة حكاية مختلفة، لكنهم أخيرًا بقوا قادرين يبصوا لبعض من غير ما يهربوا من الحقيقة.
قبل ما الكاميرا تلتقط الصورة، أمي مسكت إيدي، وأختها مسكت إيدي التانية.
وفي اللحظة دي، حسيت إن عيلتي ما بقتش أقل بسبب الحقيقة اللي عرفتها.
بالعكس، بقت أكبر، وأوضح، وأصدق.
بعد فترة قصيرة، أخت أمي تعبت بشكل مفاجئ، واضطرينا ننقلها للمستشفى.
قضينا أيام طويلة جنب سريرها، بنتبادل الأدوار في رعايتها، ونحاول نخليها مرتاحة على قد ما نقدر.
في إحدى الليالي، طلبت مني أمي أسيبها لوحدها شوية مع أختها.
خرجت من الأوضة، وفضلت واقفة بره، لكن قبل ما أقفل الباب، سمعت أخت أمي بتقول
أنا خاېفة أموت قبل ما أقول لها كل حاجة.
أمي ردت بهدوء
هي عرفت يا حبيبتي. وعرفت إنك حبيتيها.
لكن أختها قالت
مش كل حاجة.
سكتت أمي.
وبعدين سمعتها بتكمل
أنا مش عايزة أسيبها وهي فاكرة إن اللي حصل كان مجرد قرار بيني وبينك. فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
دخلت الأوضة بسرعة.
الاتنين بصوا لي.
قربت من السرير، وسألتها
إيه الحاجة اللي لسه ما عرفتهاش؟
أخت أمي مسكت إيدي، وقالت
أنا مش عايزاكي تعيشي عمرك كله بتسألي إذا كنتِ مرغوبة ولا لأ. إنتِ ما كنتيش طفلة محدش عايزها، ولا كنتِ عبء على حد.
بدأت ټعيط.
أنا كنت صغيرة وخاېفة، وكنت فاكرة إن لو خليتك مع أختي، هضمن لك حياة أحسن. لكن الحقيقة إني كنت كمان خاېفة أواجه عيلتي، وخاېفة أعيش لوحدي، وخاېفة من كلام الناس.
أخدت نفس طويل، وكملت
أختك كانت شجاعة أكتر مني. هي اللي وقفت قدام كل الضغوط، وهي اللي اختارت تحميكي. لكن أنا فضلت أهرب من قراري طول عمري.
أمي مسحت دموعها، وقالت
إحنا الاتنين غلطنا، وكل واحدة فينا دفعت تمن خۏفها.
أختها بصت لي وقالت
أنا مش بطلب منك تسامحيني عشان أنا تعبانة. ولا عايزاكي تحسي إنك مطالبة تعوضيني عن السنين اللي ضاعت. أنا بس عايزاكي تعرفي إنك كنتِ بنتي، وإنك هتفضلي بنتي، حتى لو حياتك اتبنت في بيت تاني.
قربت منها، وحضنتها بحذر.
وقلت لها
أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أعوض السنين اللي ضاعت، لكن أقدر أعيش اللي باقي من غير ما أضيع يوم تاني.
غمضت عينيها، وفضلت ماسكة إيدي.
في اللحظة دي، ما كنتش بفكر في مين أمي الحقيقية، ومين أمي اللي ربتني.
كنت بفكر في قد إيه

الخۏف ممكن يسرق مننا عمر كامل، وفي قد إيه كلمة واحدة ممكن تغير حياة ناس كتير لو اتقالت في وقتها.
بعد يومين، خرجت أخت أمي من المستشفى، ورجعنا بيها البيت القديم.
قررنا نخليها تعيش معانا فترة، عشان نقدر نهتم بيها، وما تبقاش لوحدها.
ولما دخلت بيتنا لأول مرة، وقفت قدام صورة عائلية كبيرة معلقة في الصالة.
كانت الصورة ليا وأنا صغيرة، في حضڼ أمي اللي ربتني.
فضلت تبص لها، وبعدين قالت
أنا كنت بتخيل اللحظة دي كتير. كنت بتخيل إني هاجي يوم وأشوفك في بيتك، وأعرف إنك كبرتي وبقيتي ست قوية.
بصيت لها وقلت
أنا كنت محتاجة أعرفك، حتى لو متأخر.
ابتسمت.
وأنا كنت محتاجة أعرفك من غير ما أكون خاېفة.
أمي اللي ربتني كانت واقفة بعيد شوية، بتراقبنا.
قربت منها أختها، ومدت إيدها.
أنا مش هطلب منك تنسي اللي فات، لكن نفسي نبدأ من جديد.
أمي بصت لها طويلًا، وبعدين حضنتها.
إحنا ضيعنا وقت كفاية. مش عايزة نضيع أكتر من كده.
في اللحظة دي، حسيت إن الحكاية أخيرًا بدأت تخرج من دائرة الۏجع.
مش لأن كل شيء اتصلح، لكن لأننا بطلنا نخبي الحقيقة عن بعض.
بعد مرور شهور، رجعت أمي لحياتها الطبيعية، لكنها بقت تزور أختها كل يوم تقريبًا، حتى في الأيام اللي كانت فيها تعبانة.
وأنا بقيت أزورهم الاتنين، وأحاول أقضي معاهم وقت أكتر.
كنا بنقعد سوا، ونحكي عن الماضي، لكن من غير ما نخليه يسيطر على كل كلامنا.
أحيانًا كنا نضحك على مواقف قديمة، وأحيانًا كنا نعيط لما نفتكر السنين اللي ضاعت.
لكن أهم حاجة إننا بقينا قادرين نتكلم.
وفي يوم، وأنا برتب البيت القديم، لقيت الشنطة السودا في ركن الأوضة.
كانت فاضية تقريبًا، بعد ما رتبنا كل الصور والخطابات في صندوق خشبي.
شيلتها وحطيتها قدام أمي، وقلت لها
فاكرة الشنطة دي؟
ابتسمت وقالت
إزاي أنساها؟ دي الشنطة اللي رجعت بيها من الرحلة اللي كنت فاكرة إنها هتكون أصعب أسبوع في حياتي.
ضحكت وقلت
وأنا كنت فاكرة إن جواها سر واحد.
بصتلي، وقالت
طلع جواها عمر كامل.
قعدنا جنب بعض، وفتحنا الصندوق الخشبي للمرة الأخيرة.
كان جواه كل شيء الصور القديمة، والخطابات، والجواب اللي كتبته أمي لنفسها، والصورة الجديدة اللي اتصورناها سوا.
حطيت الصورة الجديدة فوق كل الورق، وقفلت الصندوق.
ما كانش عندي رغبة إني أمحي الماضي، ولا إني أرجع أعيش فيه.
كنت عايزة أحتفظ بالحقيقة كلها، الحلو منها والمر، وأكمل حياتي وأنا عارفة أنا مين، ومنين جيت، ومين اللي اختار يحبني.
وقبل ما أخرج من الأوضة، أمي نادت عليا.
استني يا بنتي.
لفيت لها.
قربت مني، وحطت إيديها على وشي، وقالت
أنا عارفة إنك مش هتقدري تنسي اللي حصل، ومش هطلب منك تنسيه. لكن عايزاكي تعرفي إنك طول عمرك كنتِ بنتي، مش لأنك اتولدتي مني، لكن لأن كل يوم من عمري كان فيه جزء منك.
حضنتها، وقلت لها
وأنا مش هنسى إنك ربيتيني، ولا هنسى إنك في الآخر اخترتي تقولي الحقيقة، حتى لو اتأخرت.
وبعدين بصيت ناحية أختها، اللي كانت واقفة عند الباب وبتبتسم.
في اللحظة دي، فهمت إن العيلة مش دايمًا بتكون حكاية بسيطة، وإن الحقيقة ممكن توجعنا، لكنها كمان ممكن تفتح لنا باب كنا فاكرين إنه اتقفل للأبد.
أما الشنطة السودا، فكانت آخر حاجة كنت أتوقع إنها هتجمعنا بدل ما تفرقنا.
لأن السر اللي فضل مستخبي خمسين سنة ما كانش إن واحدة فيهم أخدت بنت التانية.
السر الحقيقي كان إن الخۏف خلّى أمّين يعيشوا عمرهم كله وهما فاكرين إن الحب لازم يكون معاه تضحية وصمت وۏجع.
لكن في النهاية، اكتشفنا إن الحب الحقيقي مش إننا نخبي الحقيقة عشان نحمي اللي بنحبهم.
الحب الحقيقي إننا نثق فيهم كفاية، ونسيب لهم حقهم في معرفة الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة هتوجعنا كلنا.

 

 

تم نسخ الرابط