في التاسعة والستين

لمحة نيوز

أكثر شخص أصر على أن أحتفظ بالبيت.
كان يغضب عندما أتكلم عن السفر.
وكان أول من قال إن بيع المنزل خېانة للعائلة.
وفجأة فهمت شيئًا.
هو لم يكن غاضبًا لأنني بعت المنزل.
كان غاضبًا لأنني بعت شيئًا كان يبحث عنه هو.
قلت
الصندوق.
أومأ

آرثر.
بالضبط.
هو كان يدور عليه من سنين.
نعم.
أمسكت الهاتف واتصلت بابني.
رد فورًا.
ماما؟
قلت بهدوء
عايزة أسألك سؤال.
قولي.
إنت كنت تعرف عن الصندوق قبل ما يتفتح البيت؟
صمت.
قلت
رد.
قال
مين قالك الكلام ده؟
ابتسمت بحزن.
يعني كنت تعرف.
ماما، الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة.
أمال إيه؟
أنا كنت بحاول أحميك.
ضحكت.
كل واحد بيقول إنه بيحميني.
ثم سألته
إيه اللي في الصندوق؟
صمت طويل.
ثم قال
لو فتحتيه، هتكرهي أبويا.
أنا بالفعل فتحت الصندوق.
سمعت أنفاسه تتغير.
إنتِ مع مين؟
نظرت إلى آرثر.
أنا لوحدي.
كذبت.
ولأول مرة في حياتي، شعرت أن الكذبة كانت ضرورية.
قال
ماما، اسمعيني. لازم ترجعي مصر.
ليه؟
لأن في حد تاني بيدور عليك.
مين؟
وقبل

أن يجيب، سمعت صوتًا في خلفية المكالمة.
صوت باب يُغلق.
ثم صوت رجل.
لم يكن ابني.
كان يقول
خد منها التليفون.
انقطع الاتصال.
نظرت إلى آرثر.
قال فورًا
لازم نخرج من الفندق.
لكن قبل أن نتحرك، سمعنا طرقًا على الباب.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل
مدام ماريان؟
تجمدت.
لم أرد.
عاد الصوت
أنا من الاستقبال.
نظر آرثر إليّ.
هززت رأسي.
لم أتحرك.
ثم جاءت الطرقات مرة أخرى.
هذه المرة أقوى.
وفجأة انطفأت الأنوار.
غرقنا في الظلام.
همس آرثر
خدي الصندوق وادخلي الحمام.
وأنت؟
هتعامل معاه.
لكن قبل أن أتحرك، سمعت صوت المفتاح وهو يدور داخل قفل الباب.
الباب بدأ ينفتح.
وضممت الصندوق إلى صدري.
ثم سمعت الرجل يقول
ماريان أنا مش جاي أؤذيك.
كان صوته مألوفًا جدًا.
وعندما دخل إلى الغرفة، أضاء هاتفه وجهه.
شهقت.
لم يكن غريبًا.
ولم يكن

أحدًا من أبنائي.
كان الرجل الذي ظهر في الصورة القديمة خلفي، بجوار أخي وإليانور.
وكان يحمل في يده ملفًا أسود.
نظر إليّ وقال
أخيرًا بقيتي جاهزة تعرفي الحقيقة.
ثم وضع الملف على الطاولة.
لكن قبل ما أقول لك مين ابنك الحقيقي لازم تعرفي إن زوجك كان عنده ابنة كمان.
تجمدت.
قلت
ابنة؟!
ابتسم الرجل.
أيوه يا ماريان وإنتِ قابلتيها قبل كده.
ثم فتح الملف.
وكانت أول صورة بداخله
صورة حفيدتي الصغيرة صړخت
دي حفيدتي!
مددت يدي نحو الصورة، لكن الرجل أغلق الملف بسرعة.
بالضبط.
نظرت إليه پصدمة.
إيه علاقة حفيدتي بكل ده؟
قال بهدوء
لأنها مش حفيدتك بالمعنى اللي فاكرة.
شعرت بأن الأرض تميد بي.
كفاية ألغاز! قول الحقيقة!
نظر إلى آرثر.
أنت كمان لازم

تسمع.
قال آرثر
مين أنت؟
أخرج الرجل بطاقة قديمة من جيبه ووضعها على الطاولة.
كان اسمه دانيال.
ثم قال
أنا كنت المحامي الخاص بزوجك.
تجمدت.
محامي زوجي؟
قال دانيال
قبل ۏفاته بشهرين، طلب مني أن أجهز أوراقًا سرية.
أي أوراق؟
إقرار ملكية ووثيقة نسب.
ثم نظر إليّ مباشرة.
كان عايز يضمن إن ثروته الحقيقية تروح للشخص الوحيد اللي ضحى عشانه طول حياته.
قلت
مين؟
فتح الملف.
كانت هناك وثيقة مختومة.
قرأتها بصعوبة.
ثم رفعت عيني إليه.
أنا؟
أومأ.
كل ممتلكاته السرية كانت باسمك.
بس ليه؟
قال
لأنه كان عارف إن أبناءك بدأوا يتصارعوا على المال قبل مۏته.
ثم وضع ورقة أخرى أمامي.
وكان عارف إن ابنك الأكبر اكتشف جزءًا من الحقيقة.
شعرت پغضب شديد.
طيب وإيه حكاية

حفيدتي؟
نظر دانيال إلى الصورة.
هي ابنة ابنك الأكبر لكن أمها كانت تعرف شيئًا عن الحسابات السرية.
يعني إيه؟
أمها اختفت بعد ما اكتشفت أن زوجك كان يضع جزءًا من أمواله باسمك.
شعرت بأن قلبي انقبض.
اختفت؟
نعم.
ثم أضاف
واللي حصل بعدها إن ابنك الأكبر أقنعك إن أم الطفلة تركت العائلة بإرادتها.
وضعت يدي على رأسي.
كل هذه السنوات
كنت أصدق كل ما يقولونه.
لم يخطر ببالي يومًا أن أولادي قد يخفون عني شيئًا بهذه الخطۏرة.
لكن دانيال لم ينتهِ.
أخرج ورقة أخيرة.
في حاجة أهم.
إيه؟
قال
زوجك ترك رسالة أخيرة لكِ.
ناولني الورقة.
كان الخط خط زوجي.
ماريان إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلمي أنني كنت جبانًا.
بدأت دموعي تنزل.
لم أستطع

أن أخبرك بالحقيقة وأنا حي، لأنني كنت أعرف أن حياتك ستتغير إلى الأبد.
لكنني أريدك أن تعرفي شيئًا واحدًا
أنتِ لم تكوني مجرد زوجتي.
أنتِ كنتِ الشخص الوحيد الذي وثقت به.
ثم جاء السطر الذي جعلني أتوقف.
والابن الذي ربيتيه باسم ابننا الثاني هو ابني فعلًا.
رفعت رأسي.
لكن إليانور قالت إنه ابنها!
قال دانيال
وهنا تبدأ الحقيقة الحقيقية.
فتح ملفًا آخر.
كانت فيه نتيجة تحليل نسب قديمة.
نظرت إليها.
ثم شعرت بأنني لا أستطيع التنفس.
النتيجة أكدت أن ابني الثاني
هو ابني البيولوجي.
لكن اسم الأم في الوثيقة لم يكن إليانور.
كان اسم امرأة أخرى.
امرأة أعرفها.
امرأة كانت موجودة في حياتي طوال الوقت.
رفعت عيني إلى دانيال.
مين دي؟
قال
أختك.
تراجعت خطوة.
أختي ماټت قبل ولادته.
أعرف.

يبقى إزاي؟
قال دانيال
لأن الطفل لم يولد بالطريقة التي أخبرك بها زوجك.
سكت لحظة.
ثم قال
أختك كانت حاملًا وزوجك أخذ الطفل منها بعد ولادته، وسجله باسمك.
شعرت أن العالم كله انهار.
كل ما ظننته عن عائلتي
عن زوجي
عن أبنائي
كان مبنيًا على أسرار لم يخبرني بها أحد.
لكن الشيء الذي أخافني أكثر لم يكن الماضي.
بل المستقبل.
لأن دانيال أغلق الملف وقال
ماريان، كل ده مهم لكن في سبب واحد خلاني آجي لك الليلة.
إيه؟
نظر إلى آرثر.
ثم قال
إليانور لم تتصل بك من أستراليا.
تجمدت.
أمال مين اللي كلمني؟
قال
شخص يستخدم صوتها لتقودك إلى الصندوق.
ساد الصمت.
ثم أضاف
والشخص ده يعرف كل تحركاتك منذ يوم غادرتِ مصر.
نظرت إلى آرثر.
ثم إلى

دانيال.
وقبل أن أستوعب شيئًا، وصل إشعار إلى هاتفي.
رسالة جديدة.
من نفس الرقم الذي ادعى أنه إليانور.
فتحتها.
وكان مكتوبًا
ماريان لا تثقي بدانيال.
ثم وصلت رسالة ثانية بعدها مباشرة
لأنه هو الشخص الذي قتل زوجك تجمدت أصابعي فوق الهاتف.
قرأت الرسالة مرة أخرى.
ثم رفعت عيني نحو دانيال.
كان واقفًا أمامي بهدوء غريب.
قلت
بيقولوا إنك قټلت جوزي.
لم يتحرك.
فقط نظر إليّ لثوانٍ، ثم قال
كنت عارف إن الرسالة دي هتوصل لك.
يعني الكلام صحيح؟
لا.
قالها بثبات.
لكن الشخص اللي قتل زوجك كان يتمنى جدًا إنك تصدقي إني أنا اللي عملت كده.
اقترب آرثر منه.
دانيال افتح الملف الأخير.
تغير وجه دانيال.
مش هنا.
قلت بعصبية
افتحه! أنا تعبت من الأسرار!
ظل صامتًا.
ثم أخرج مفتاحًا

صغيرًا من جيبه، وفتح الجزء السفلي من الحقيبة التي يحملها.
أخرج ملفًا أحمر.
ووضعه أمامي.
ده تقرير الطبيب الشرعي الأصلي.
نظرت إليه.
كانت شهادة ۏفاة زوجي تقول إن الۏفاة كانت بسبب أزمة قلبية.
لكن التقرير الأصلي كان مختلفًا.
كان هناك أثر لمادة دوائية في دمه.
قلت
يعني اټسمم؟
أومأ دانيال.
نعم.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
مين سممه؟
قال
في البداية ظننت أنني أعرف.
مين؟
نظر إليّ.
زوجك نفسه.
شهقت.
إنت بتقول إيه؟
هو كان يأخذ الدواء بنفسه.
يعني اڼتحر؟
هز رأسه.
لا. الدواء الذي تناوله كان من المفترض أن يكون دواء قلبه، لكنه استُبدل.
ساد الصمت.
قلت
مين بدله؟
قال
الكاميرات اختفت.
والشخص اللي عمل كده؟
أجاب
دخل البيت بمفتاح.
فهمت فورًا.
حد من العيلة.
أومأ.
ثم قال
لكن

فيه شيء ما كنتش أعرفه إلا من أسبوع.
إيه؟
أشار إلى الصندوق.
الدواء نفسه كان مخبأ في الصندوق.
فتحت عيني على اتساعهما.
يعني الصندوق فيه دليل على قاټل جوزي؟
نعم.
وفجأة سمعنا صوت ارتطام قوي خارج الغرفة.
تجمدنا جميعًا.
قال آرثر
حد برا.
اقترب دانيال من الباب ونظر من العين السحرية.
ثم تراجع.
مش شخص واحد.
همست
مين؟
قال
ثلاثة رجال.
أمسكت بالصندوق بقوة.
ثم سمعت صوتًا من خلف الباب
ماريان افتحي.
كان صوت ابني الأكبر.
شعرت بقلبي ينقبض.
قال مرة أخرى
أنا عارف إنك جوه.
لم أتحرك.
ثم سمعت صوت رجل آخر.
والله يا أمي، أنا جاي أحميكي.
كان ابني الثاني.
ابني الذي قيل لي طوال حياتي إنه ابن إليانور.
ابني الذي اكتشفت للتو أنه ليس كذلك.
كانا الاثنان

خارج الغرفة.
ومعهما شخص ثالث.
لكن قبل أن أفكر فيما سأفعله، سمعت ابني الأكبر يقول
ماما لو ما فتحتيش الباب، هضطر أقول لك الحقيقة قدامهم.
اقتربت من الباب.
قلت
قولها.
صمت.
ثم قال
أبويا ما ماتش بسببنا.
سكت لحظة.
أبويا ماټ لأنه كان ناوي يعترف لك إنك مش أمنا الأربعة.
شعرت بالصدمة.
قال
إحنا الأربعة مش إخوات.
نظرت إلى آرثر.
ثم إلى دانيال.
وفجأة فهمت لماذا كانت إليانور تخاف.
ولماذا كان زوجي يخفي الأوراق.
ولماذا كان أبنائي يتصرفون كأن البيت ملك لهم.
لكن ابني الأكبر أكمل
وإنتِ يا ماما كنتِ الشخص الوحيد اللي جمعنا تحت سقف واحد.
ثم قال بصوت مكسور
بس الحقيقة إن كل واحد فينا ليه أم مختلفة.
فتحت الباب ببطء.
كان ابني الأكبر واقفًا أمامي.
وجهه

شاحب.
وخلفه ابني الثاني.
أما الرجل الثالث
فما إن رأيته حتى شعرت بأن ركبتيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
لأنه كان يشبه زوجي بشكل مخيف.
قال ابني الأكبر
ماما ده أخونا الخامس.
حدقت فيه.
أخونا الخامس؟
أومأ.
ثم قال
والليلة دي هو الوحيد اللي يقدر يقول لك مين قتل أبويا فعلًا لم أستطع أن أتحرك.
كنت أحدق في الرجل الواقف أمامي.
كان في منتصف الخمسينات تقريبًا، وشعره يشبه شعر زوجي، وحتى طريقة وقوفه كانت مألوفة بشكل مرعب.
قلت
إنت مين؟
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
اسمي سامي.
وسامي ده ابنه؟
أشار إلى ابني الأكبر.
أخوكم.
ضحكت من شدة الصدمة.
أنا عندي أربعة أبناء فجأة بقيتوا خمسة؟
قال ابني الأكبر
إحنا نفسنا ما كناش نعرف كل حاجة.
تدخل

دانيال
كفاية. لازم ماريان تعرف الحقيقة كاملة.
دخلنا الغرفة وأغلق دانيال الباب.
جلسنا جميعًا.
ثم وضع سامي ظرفًا على الطاولة.
قال
أبويا أرسلهولي قبل ۏفاته بأسبوع.
نظرت إلى الظرف.
كان اسم زوجي مكتوبًا عليه.
فتح سامي الظرف وأخرج ورقة.
قال لي لو حصل لي حاجة، روح لماريان.
ثم ناولني الورقة.
قرأت
ماريان، سامحيني.
بدأت الدموع تنزل من عيني.
أنا قضيت عمري أحاول أحميك من حقيقة لم يكن من حق أحد أن يخفيها عنك.
أنتِ لم تنجبي أبناءك الأربعة بالطريقة التي تعتقدينها.
توقفت.
ثم تابعت.
لكن كل واحد منهم يحمل جزءًا من قصتي.
رفعت عيني.
كان أبنائي الأربعة ينظرون إليّ.
قال زوجي في الرسالة
ابنك الأكبر هو ابني من زواج سابق.
والثاني ابن إليانور.
والثالث ابن أختك.
شهقت.
أما السطر الأخير
فجعل
تم نسخ الرابط