الليلة اللي رجع فيها أخويا بقلم رواء

لمحة نيوز

 

أنا اسمي نادين، وعندي سبعة وعشرين سنة، وبشتغل مصورة حفلات.

من سنتين، أخويا الكبير كريم اختفى.

مش مات.

مش اتخطف رسميًا.

اختفى بس.

خرج من البيت الصبح، قال لماما إنه رايح يقابل واحد بخصوص شغل، ومن ساعتها محدش شافه.

بلغنا الشرطة، دورنا في المستشفيات، وسألنا أصحابه.

ولا حاجة.

ماما رفضت تصدق إنه مات.

وأنا فضلت بين انتظار رجوعه ومحاولة نسيانه.

بعد سنتين بالظبط تقريبًا، جالي شغل في حفلة خطوبة داخل فيلا كبيرة في التجمع.

الشغل كان تصوير العريس والعروسة وشوية لقطات عائلية.

وأنا براجع الإضاءة، لمحت راجل واقف في البلكونة اللي فوق.

كان ضهره ليا، كتافه مائلة وإيده الشمال في جيبه.

اتجمدت.

كريم كان يقف كده.

قلت لنفسي إن دماغي بتلعب بيا.

رفعت الكاميرا وعملت زوم.

الراجل لف وشه.

الكاميرا وقعت من إيدي.

كريم.

أخويا.

حي.

واقف في بيت ناس معرفهمش، بعد سنتين من اختفائه.

بص ناحيتي.

وشه اتغير.

ولف بسرعة ودخل جوه.

جريت على السلم.

ناديت باسمه.

كريم!

محدش رد.

طلعت الدور الأول، لقيت باب البلكونة مفتوح، لكن المكان فاضي.

قدامي ممر طويل، وفي آخره ست كبيرة خارجة من أوضة.

أول ما شافتني قالت:

إنتِ المصورة؟

قلت وأنا بنهج:

كان في راجل هنا.

بصتلي ببرود.

في ضيوف كتير.

اسمه كريم.

وشها اتشد للحظة.

بعدها قالت:

معرفش حد بالاسم ده.

كنت هكمل كلام، لكن صوت العروسة ناداني من تحت.

نزلت.

فضلت أصور بتوتر.

فضلت أبص للسلم.

بعد نص ساعة، طلبوا مني أطلع أصور العروسة مع والدها في المكتب قبل نزولها.

دخلت الأوضة.

كانت مليانة صور قديمة.

صور عيلة.

سفر.

تخرج.

أفراح.

وأنا بعدل الكاميرا، عيني وقعت على صورة فوق المكتبة.

الصورة كانت من خمس سنين.

العريس واقف مع مجموعة شباب.

وفي آخر الصف، كان كريم.

مش شبهه.

هو.

نفس الساعة اللي أنا اشتريتهاله في عيد ميلاده.

إيدي بردت.

سألت العروسة:

مين الناس دول؟

قالت:

صحاب أخو خطيبي زمان.

أشرت للصورة.

وده؟

بصت.

وسكتت ثانية زيادة.

قالت:

مش فاكرة.

كدبت.

واضح إنها تعرف.

خلصت التصوير وخرجت.

المرة دي ما استنيتش.

فتحت كل باب في الممر تقريبًا.

آخر باب كان مقفول.

سمعت صوتين جواه.

واحد منهم كان صوت كريم.

قال:

هي شافتني. أنا متأكد.

صوت راجل رد:

كان لازم ما تيجيش النهارده.

كريم قال بعصبية:

أنا ماكنتش أعرف إنها المصورة.

حسيت الدنيا بتلف.

خبطت الباب بكل قوتي.

فتح كريم.

وقف قدامي.

أخويا فعلًا.

مد إيده ناحيتي.

نادين...

ضربته بالقلم.

قلت:

سنتين وإنت عايش؟

قال:

وطي صوتك.

ضربته بالقلم التاني.

قال:

أنا أستاهل. بس اسمعيني.

دخلت الأوضة.

كان فيها عماد منصور، صاحب الشركة اللي كريم كان شغال فيها قبل اختفائه.

قلت:

إنتوا الاتنين هتفهموني حالًا.

كريم قفل الباب.

وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:

أنا ما اختفيتش علشان أهرب منكم.

قلت:

أمال؟

قال:

علشان أحميكم.

ضحكت.

واضح إن دي الجملة اللي كل الكذابين بيحبوها.

عماد تدخل:

أخوكي اكتشف حاجة في الشركة.

بصيت له.

حاجة إيه؟

كريم قال:

حسابات بأسماء موظفين ماتوا من سنين، ولسه بيتحول عليها فلوس.

سكت.

ملايين.

والتحويلات كانت بتتسحب بعدها بساعات.

قلت:

سرقة؟

قال:

غسيل فلوس.

سألته:

وإيه علاقة ده باختفائك؟

بص لعماد، وبعدها قال:

لأني عرفت مين وراه.

مين؟

سكت.

صرخت:

مين يا كريم؟

قال:

بابا.

حسيت إني ما فهمتش الكلمة.

بابا مات من أربع سنين.

قلت:

إنت بتقول إيه؟

قال:

بابا ما ماتش في المستشفى زي ما إحنا فاكرين.

قلت:

أنا شفته.

قال:

شفتي جثمان متغطي، وماما هي اللي رفضت نكشف وشه بحجة إن حالته كانت صعبة.

رجعت خطوة.

افتكرت اليوم.

افتكرت ماما وهي بتصرخ فينا ما نقربش.

قلت:

أنت مجنون.

كريم فتح درج وطلع ظرف.

جواه صورة حديثة.

بابا.

قاعد في مطعم.

الصورة متصورة من ست شهور.

ركبتي ضعفت.

قلت:

ماما تعرف؟

كريم ما جاوبش.

وده كان أسوأ رد.

خرجت من الأوضة وأنا مش شايفة قدامي.

لقيت الست الكبيرة اللي قابلتها من شوية واقفة في الممر.

قالت:

عرفتي؟

بصيت لها.

إنتِ مين؟

قالت:

أنا أخت أبوكي.

اتجمدت.

بابا عمره ما قال إن عنده أخت.

ابتسمت بحزن.

لأن المفروض إني مت من عشرين سنة.

رجعت لكريم.

قلت:

أنا رايحة لماما.

مسك دراعي.

ما ينفعش.

نزعت إيدي.

ليه؟

قال:

لأن ماما هي اللي رتبت موت بابا على الورق.

سكت.

كمل:

كانت بتحاول تهربه من الناس اللي شغال معاهم.

قلت:

يعني كانت عارفة إنه حي؟

أيوه.

وإنت عرفت إمتى؟

من سنتين.

ضحكت وأنا بعيط.

يعني أنا الوحيدة اللي عاشت الحقيقة الكدابة؟

قال:

كنا مضطرين.

قلت:

مين إحنا؟

سكت.

وقتها سمعت صوت ماما من ورايا.

إحنا كلنا.

لفيت.

كانت واقفة عند باب الممر.

لابسة أسود.

هادية بشكل مرعب.

قلت:

إنتِ هنا ليه؟

قالت:

لأن الخطوبة دي مش خطوبة.

بصيت تحت ناحية الضيوف.

قالت:

كل الموجودين تقريبًا أفراد من جهات رقابية، والحفلة معمولة علشان شخص واحد يظهر.

مين؟

ماما بصت لكريم.

قالت:

أبوكي.

صوت موسيقى بدأ من تحت.

والناس صفقوا.

ماما قربت من سور الدور وبصت للمدخل.

بصينا معاها.

راجل دخل الفيلا.

شعره أبيض ووشه أضعف، لكن مستحيل ما أعرفوش.

بابا.

حي.

رفع عينه لفوق.

شافنا.

وابتسم.

أنا ما حسيتش بنفسي غير وأنا بنزل السلم.

كريم جري ورايا.

ماما نادتني.

لكن ما وقفتش.

وصلت لبابا.

وقف قدامي.

قال:

نادين.

ضربته بالقلم.

واضح إن اليوم كان يوم الأقلام.

قلت:

أربع سنين؟

نزل عينه.

قلت:

كلكم بتحموني، صح؟

سكت.

صرخت:

حد فيكم فكر يسألني إذا كنت عايزة الحماية دي؟

قبل ما يرد، دخل رجالة من الباب الرئيسي.

واحد منهم قال:

حسام فوزي، أنت مطلوب للتحقيق.

بابا ما قاومش.

بس قبل ما ياخدوه، بصلي وقال:

أنا عملت حاجات غلط، لكن اختفائي كان علشان أصلحها.

قلت:

وأنا مش مطالبة أسامحك علشان قررت تصلح متأخر.

أخدوه.

الحفلة انتهت في عشر دقايق.

رجعت البيت مع ماما وكريم.

ما اتكلمناش.

تاني يوم، عرفت الحقيقة.

بابا كان داخل شبكة تحويلات غير قانونية، ثم حاول ينسحب ويسلم أدلة.

ماما ساعدته يمثل موته، وكريم لما اكتشف الأمر واتهدد اختفى هو كمان.

كل واحد فيهم كان فاكر إنه بيحميني.

ولا واحد فهم إنهم سرقوا مني حقي أعرف.

بعد شهور، القضية اتفتحت، وبابا تعاون مع التحقيق، وكريم رجع يعيش باسمه.

أما أنا، فبطلت أصور أفراح فترة.

مش لأن الأفراح بقت توجعني.

لكن لأن كل ما أشوف حد بيقول "من النهارده مفيش أسرار بينا"، كنت أضحك.

بعد سنة، رجعت للشغل.

وفي أول حفلة، العروسة سألتني:

ليه بتصوري الناس وهي مش واخدة بالها؟

قلت:

لأن الحقيقة غالبًا بتظهر في اللحظة اللي الناس تبطل فيها تمثيل.

رفعت الكاميرا.

وأول صورة التقطتها كانت لباب مفتوح.

ومن يومها، بقيت أكره الأبواب المقفولة.

تم نسخ الرابط